مونديال المكسيك 1970.. بيليه الذي عرف كيف يطير

كتب: محمد المصري الثلاثاء 10-06-2014 01:28

«قفزنا معاً، ولكن حين عُدت للأرضِ.. وَجَدْتُ بيليه مازال يَطفو في الأعلى».. المُدافع الإيطالي بورجينتش

كانت البرازيل تُعاني من ديكتاتورية عَسكرية برئاسة الجنرال «إيميليو ميديسي»، وصارت النَّغمة الإعلامية السائدة أن انتصار هذا الفريق في المونديال الذي سيُقام في المسكيك ستُدَعّم السُّلْطَة والحُكم، وبالنسبةِ للناس.. لم يَكن هذا بأكثر من كلامٍ فارغ، وكانت كرة القدم، كما بدأت، هي الوَطَن والجمهور.

ذهبت البرازيل إلى المسكيك «لتلعب كرة القدم برغبةِ الناس ومشيئتهم الجمالية»، كما يصف الروائي البرازيلي نيلسون رودريجز، «هناكَ قرى في البرازيل لا يوجد بها كنائس، هناك بلدات مُتطرفة لم تدخلها المياة والكهرباء، ولكن ما من من مُحيطٍ لا يحوي مَلعب لكرة القدم»، «كان الأمر أكبر من الفوز والخسارة، كان الهوية والروح والهواء المُتنفّس»، وحين خرجت البرازيل من الدور الأول لمونديال 1966.. نُكِّست الأعلام وأغلقت أبواب البيوت و«بات الناس لا ينظرون في أعينِ بعضهم»، ورغم سوء الأوضاع فإن كل ما كان مُنتظراً من منتخب 1970 هو إعادة شعور الفخر والفرحة للجمهور، «كان يجب أن تفوز البرازيل، كي يشعر الناس بأنهم ملوكاً».

وفي كل هذا كان «بيليه» هو رئيس جمهورية البرازيل الموازية، الذي ذَهبَ إلى المكسيك حاملاً كل آمال الشعب معه، الفتى الذي ذهب إلى السويد في السابعة عشر من عمره وقادَ تمرُّداً مع زملاءه سُمر البشرة انتهى بفوزهم بالكأس، ثم منعته الإصابة في المبارياتِ الأولى من مواصلة الطريق في تشيلي، أو منع السقوط العنيف في إنجلترا، يعود هذه المرة إلى المكسيك وهو في التاسعة والعشرين، قائد المُنتخب، و«ملك كرة القدم»، والشخص الذي وَضعَ البرازيليون على كتفِه كل شيء.

ولم تكن المُهمة سهلة، هُناك تسعة فرق من أوروبا، وخمسة من الأمريكيتين، بالإضافة إلى المغرب وإسرائيل، في المرة الوحيدة التي وصلت فيها لكأس العالم، إنجلترا كانت تسعى للحفاظِ على لقبها بنفس الجيل، ألمانيا في أصْلَب نُسخها مع «بيكنباور» في الدفاع و«مولر» في الهجوم، مُنتخب إيطالي ذو مبادئ دفاعية تجعله لا يُهزم، وجيل أورجواياني جديد يَسعى لاستعادةِ مَجده القديم.

بَدت ألمانيا أقوى فرق البطولة بعد انتصاراتها العريضة في المَجموعة، وفي مباراةٍ مَلحمية فازت على إنجلترا في دور الثمانية بهدفٍ ثالث في الأشواط الإضافية، قبل أن تتبع ذلك بمباراة أكثر مَلحمية، وواحدة من أعظم مباريات كأس العالم على الإطلاق، أمام إيطاليا في الدور قبل النهائي، 1-1 في الوقت الأصلي، بعد أن تعادلت ألمانيا في الدقيقة 90، قبل أن تتقدم بهدفٍ في الشوط الإضافي الأول، تتعادل إيطاليا، ثم تأخذ المُبادة، قبل أن تتعادل ألمانيا لمرةٍ ثالثة، 3-3 و4 أهداف عَظيمة في 20 دقيقة فقط، وفي النهاية يخطف الطليان هدفاً أخيراً في الدقيقة 111، إيطاليا في النهائي.

البرازيل في المُقابل كان يَرتفع نسقها ببطءٍ، لأن اللاعبون كانوا يتحرَّرون مع كل مباراة، واحدة من أكثر الحالات التي عرفتها كرة القدم في اللعبِ من أجل الفَرَح، وفي مُقابل فرق في البطولة كانت تدافع بثمانية أفراد، كانت البرازيل تنتصر للكرة مع أربعة مُهاجمين وهدَّافين مثل جايرزينهو، توستايو، ريفيلينو، والمَلَك بيليه، ويُصبح الهجوم بستة بعد انضمام لاعبي الوَسط عاليي المهارات جيرسون وكولدالدو، وسَبعة مع تقدم الظهير كارلوس ألبرتو، وثمانية إن تقدم إيفرالدو.

أخرجت البرازيل بيرو في دور الثمانية، ولعبت مباراة ممتعة جداً أمام أورجواي، في تكرار أهدأ لنهائي مونديال 50 انتهى بفوزِ رفاق «بيليه» بثلاثةِ أهداف لهدف، والتأهل للمباراة النهائية، الفائز فيها سيحتفظ بالكأس مَدى الحياة.

كانت اللقطة الأكثر تعبيراً في المباراة النهائية هو الهدف الإيطالي، والذي جاء لأن لاعبي البرازيل كانوا يتراقصون بالكرة في نصف ملعبهم، وقُطِعَت من «جيرسون» لأنه كان يُباصيلها بكعبِ قدمه قرب مَنطقة الجزاء! لم يكن الأمر استهانة، ولكن –تماماً- لأن الفريق كان يلعب لمتعته الشخصية، وكل فرد فيه يَملك مهارته الخاصة التي يرغب في إبرازها، والناس أحبوا ذلك، والنُّسخة العَظيمة التي بَقَت من البرازيل، باعتبارها أمتع كرة قدم يعرفها العالم ارتبطت، في صورتها المُبكرة، بما رآه الناس على شاشات التلفزيون حول العالم عام 1970.

كانت بطولة مُدْهِشَة بالمُجمل، وأهداف البرازيل الأربعة في المباراة النهائية أمام إيطاليا، أفضل فريق دفاعي في العالم، كانت تَخْتَصر كل شيء، قدرات الفريق الجماعية، لعبه على الأرضِ وفَوقها، الأهداف من داخل وخارج المنطقة، بالرأسِ والقدمين، طوفان لا يَستطيع أحد إيقافه، وهويَّة شَعب كامل يتم التعبير عنها في كرةٍ دائرة بين 11 لاعب.

وفي كل هذا كان هُناك «بيليه»، في أعظم نُسخة له في كؤوس العالم، «لقد فَعل كل شيء في كرة القدم، كننا نَنظر لبعضنا بعجزٍ وتساؤل عن كيف يُمكن إيقافه»، يتذكَّر «بورجنتش» ظهيرته العَصيبة، والتي رأى فيها «بيليه» يَطفو في السماء ليحرز الهدف الأول، ويَطفو ثانيةً لكي يَصنع الهدف الثاني، بشكلٍ مُدهش ودقيق، جايرزينهو، والأخير صار أول لاعب في تاريخ كرة القدم يحرز هدفاً في كل مباراة من بطولة لكأسِ العالم، قبل أن يَختتم المنتخب كاملاً مَعزوفته المُدْهِشَة في الهدف الرابع، الذي بدا كأنه لحظة مُقدّسة يعطيها اللاعبين للناس كي يتذكرونهم للأبد، تناقل للكرة بين أقدام الـ11 لاعباً، قبل أن تصل لـ«بيليه» على حدودِ منطقة الجزاء.. يَقِفُ بهدوءٍ، كأن العالم بيت أبيه، يَنْظُر.. ويُمرّر بعظمة لكارلوس ألبرتو المُنطلق كالسهمِ من الخلف.. ليضعها الأخير في أبعد نُقطة من الزاويةِ البعيدة، في أعظم هدف جماعي في تاريخ اللعبة ربما.

فازت البرازيل بكأسِ العالم، شَعَر الفقراء بأنهم ملوكاً، وبعد أربع سنوات فقط عُزِلَ الجنرال «إيميدسي» من منصبه ولم يعد يتذكره أحد، بينما بَقَى الناس، والكأس، وبرازيل سنة 70 الخالدة، وبيليه.. الملك بيليه.. «الذي منحنا هدايا من الجمال النادر، لحظات جديرة بالخلود، والتي تتيح لنا الإيمانِ بأن الخلود مَوجود»، كما يَصِف الكاتب الأورجواياني إدواردو جاليانو.