تحدثت الصحف المصرية عن افتتاح الرئيس مبارك المنتظر لمحور صفط اللبن، واهتمت بهذا الخبر على اعتباره جزءاً من مشاريع هذا العصر التى اتسمت بعمق علاقتها بالكبارى والمحاور والبنية التحتية (قبل تدهورها)، ومازال الرئيس لم يفتتح بعد لأسباب غير معروفة هذا المحور الذى يربط منطقة جامعة القاهرة وكوبرى ثروت بالطريق الدائرى ثم يمتد إلى كرداسة وهو المشروع الذى استغرق العمل فيه 22 شهرا ، فى محاولة للتخفيف من حدة مشكلة المرور على المحاور السريعة التى كانت ضحية عشوائية الأداء الحكومى.
فحين أنشئ ماعرف بالمدن الجديدة منذ أكثر من ربع قرن، جرى التعامل مع مدينة 6 أكتوبر والشيخ زايد وباقى تلك المدن على أن من المفترض أن يبقى سكانها فى مدنهم الجديدة منعزلين عن العاصمة التى احتكرت كل المبانى الإدارية والخدمات ومعظم المصالح والمؤسسات، وبالتالى لم تنشئ خطاً لقطار الضواحى أو مترو يصل بينها وبين قلب القاهرة كما يقول ألف باء تخطيط مدن، وكما فعلنا فى الثلاثينيات مع مصر الجديدة، والخمسينيات مع حلوان ولكن فى العصر الحالى امتلكنا نمطاً جديداً ونادراً من الحكمة التى وضعت أمام مئات الآلاف من البشر العربات كوسيلة مواصلات وحيدة وتركتهم ضحايا حوادث طرق هى الأسوأ فى العالم.
ولعل المفارقة ذات الدلالة أن الافتتاح المنتظر لمحور صفط اللبن فى مصر تواكب معه قيام أمير دولة قطر بزيارة عدد من قرى الجنوب اللبنانى من أجل افتتاح المشاريع التى أقامتها ونفذتها بلاده من أجل إعادة إعمار عدد من القرى والبلدات التى دمرها العدوان الإسرائيلى فى 2006، دون تمييز بين المساجد والحسينيات والكنائس، أو بين القرى الشيعية والسنية والمسيحية فى رسالة أخلاقية ودينية وسياسية مهمة.
والحقيقة أن الصداع الذى تسببه الحكومة القطرية لنظيرتها المصرية لافت، خاصة أنها دولة حجمها أصغر من بعض أحياء القاهرة وتلعب أدواراً إقليمية أكبر بكثير من حجمها فى حين أن مصر تلعب أدواراً أصغر بكثير من حجمها فى مفارقة تبدو صادمة. والمؤكد أن شعور الحيرة الذى يثير كثيراً من المصريين غير الحكوميين تجاه هذه الدولة الصغيرة، لا يرجع إلى كراهية ولا إلى تقليل من الجهد الذى قامت به حكومتها فى لبنان، إنما بسبب الحسرة على التدهور المذهل الذى أصاب مصر ودورها،
فحين تختزل مصر إنجازاتها الداخلية فى محور صفط اللبن وغيره من الكبارى والوصلات المرورية وتعتبرها مشاريع قومية تستلزم افتتاح الرئيس لها، نصبح أمام مشكلة مزدوجة ترجع إلى تقزيم معنى المشاريع القومية فى منشآت يمكن أن يفتتحها وكيل وزارة، والثانى (وعلى عكس النغمة السائدة) أن تخلى مصر عن دورها العربى جاء بسبب رغبتها فى أن تحقق إنجازات فى الداخل، وصور الدور العربى زورا وبهتانا على أنه الحرب ضد إسرائيل وليس فى القوة الناعمة المصرية بكل تجلياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية. والمفارقة أن الدور العربى لمصر تواكب معه بناء السد العالى، فى حين أن غياب هذا الدور تواكب معه افتتاح محور صفط اللبن فى مفارقة أخرى صارخة.
والحقيقة أن تراجع الدور الإقليمى لمصر فى عهد الرئيس مبارك، لا يرجع إلى عدم استخدام الحكم للقوة المسلحة أو الدخول فى مغامرات عسكرية غير محسوبة إنما فى هذا الفشل الداخلى فى بناء نموذج سياسى قادر على التأثير فى الداخل بين المواطنين المصريين وفى الخارج بين العرب والعالم، عن طريق نخبة حديثة لديها مشروع (أو على الأقل حس) وطنى وقومى، ورؤية سياسية متكاملة لدور مصر العربى والإقليمى فى ظل نظام ديمقراطى، يسمح للنخب السياسية باختيار ليس فقط السياسات الموفقة إنما أيضا المشروعات الموفقة التى تتسق مع حجم مصر ومكانتها.
ولم يطالب أحد الحكم فى مصر بأن يحارب إسرائيل دفاعا عن حزب الله، إنما فقط إظهار إنجازات «عصر السلام» الذى نعيش فيه منذ أكثر من 30 عاما دون أن نحقق رخاء اقتصادياً كما بشر الرئيس الراحل أنور السادات، أو إصلاحاً سياسياً واقتصادياً كما يتحدث الرئيس مبارك منذ ربع قرن، أو أخيرا وزناً دولياً وإقليمياً قادراً على التأثير فى المعادلة الدولية (ولو بقدر) وخاصة فى الحليف الأمريكى.
إن مقارنة مايجرى فى صفط اللبن بما جرى فى بنت جبيل اللبنانية يوضح الفارق بين حالة مصر المترهلة الباهتة المنفصلة نخبتها تماما عن الناس، وبين نخبة لبنانية (على مافيها من عيوب وعلات كثيرة) تواصلت بشكل طبيعى مع أهل تلك القرى، فلم يتعامل أركان الدولة اللبنانية الثلاثة (الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان) وأمير قطر مع عموم الناس هناك على أنهم «جربة» يجب إخفاؤهم إنما صافحوهم وتحدثوا معهم دون أدنى مشكلة.
أما فى مصر فقد وضع مهبط على الطريق لطائرة الرئيس مبارك، وغطيت المنازل القبيحة بالأقمشة، أما تحت الكوبرى فستجد مقالب للقمامة متعددة الأحجام والأشكال، ومواقف لسيارات ميكروباص لا يحمل أغلب سائقيها رخص قيادة و«توك توك» يحاصرك فى كل مكان، فالمشهد أعلى الكوبرى وأسفله يعبر عن الفارق بين مصر الرسمية والحقيقية،
مصر التى يقهر كل من فتح عليه الله بمكان فى أعلى السلم/ الكوبرى من فى أسفله، صحيح أن الحال على الأرض لا يسر أحداً وترك للفوضى والفقر غير الآدمى والبلطجة، ويحتاج إلى مواجهات جراحية لم ولن يقوم بها الحكم الحالى، الذى اختار سياسة الجدار العازل والفصل الكامل بين العالمين.
إن «الحدث القومى» المؤجل لافتتاح الرئيس محور صفط اللبن هو نموذج كاشف لما يجرى فى مصر من تدهور كبير، فالمشروع لا يستحق كل هذه الضجة، وهو يخفى فشلاً أكبر نتيجة عدم قيام الحكومة بوضع وسائل نقل أخرى غير العربات لنقل الناس إلى الضواحى كما يجرى فى كل بلاد العالم بما فيها الدول الأفقر من مصر، ولكنه غياب العقل والإرادة معا.
إن خطورة ما جرى فى مصر لم يعد فى عدم الرغبة فى القيام بمشاريع كبرى، إنما فى عدم القدرة (حتى لو وجدت الرغبة والنية الطيبة) على القيام بأى شىء، فالتدهور له علاقة بمستوى الأداء للنخبة التى تحكم، والنخبة التى لا تحكم وتقوم بوظائف غير سياسية، فهى الأخرى تحول سقف حدودها عند صفط اللبن وباتت إمكاناتها الذهنية و«الاستراتيجية» لا ترى أبعد من وصلة مرورية فى محور آخر من محاور الفشل الذى يحاول أن يجمل ويحل بالمسكنات مشكلات لن تحل إلا بالجراحة وستطال حتما الحاكم والمحكومين معا.