x

أن تصطاد «عصفوراً» من «النيل».. أنت إذن «إبراهيم أصلان»

الأربعاء 05-05-2010 00:00 |
تصوير : other

عادةً ما نخاف تحويلَ الروايات الكبرى أفلامًا، فبالرغم من اتساع عوالمُ ميديا السينما، وتوسُّل المخرج عواملَ مساعدةً من موسيقى تصويرية، وضوء وظلال، ومواقع تصوير، ومؤثرات بصرية وسمعية، ولعب فنيّ لبناء دراما مكثفة يصنعها المخرجُ والسيناريست والممثلون،

وبالرغم من أن فكرة السينما هى تحويل «النصّ» إلى «صورة»، ما يعجّل بتسرّب الطاقة السردية من عين القارئ، حال قراءته الرواية فى كتاب، إلى عينيه وأذنيه وحواسه مجتمعة، حال مشاهدته فيلمًا سينمائيًّا، ضاجًّا بالحوار والموسيقى والضوء والصور، وللصورة، كما نعرف، مثلُ حظِّ عشرة آلاف كلمةٍ، من حيث سرعة وصولها للمتلقي، رغم كل ما سبق، إلا إننا، نحن الغارقين فى هوس القراءة، نشفق على رواية أحببناها أن «تُختصَر» عوالمُها فى ساعتين على شاشة عرض.

قليلة هى الأفلامُ التى لم تقتلِ النصَّ الأصلىّ! ونذكر أن نجيب محفوظ كان، حين يُسأل عن أفلام رواياته، يقول: لست مسؤولاً إلا عن رواياتى، أما الأفلام التى بُنيت عليها فلها آلياتٌ تِقَنية، ومن ثم نقدية، مختلفة، لا أعرف عنها شيئًا. من ذلك القليل الذى نجح فى موازاة النص فيلم مثل: «العطر»، للألمانى باتريك زوسكند. ذلك الفيلم الذى جعل المُشاهِد يكاد يستنشقُ العطرَ العبقرى الذى من أجله قتل جرونوى عشرات العذراوات ليستخلصه من أجسادهن الجميلة.

أمّا أن يجتمع عظيمان فى عمل: عظيمٌ فى الكتابة مثل إبراهيم أصلان، وعظيمٌ فى الإخراج مثل مجدى أحمد علي، فذلك من شأنه أن يهبَ السينما المصرية العريقة قطعةً جديدة من الدُّر الفريد، اسمها «عصافيرُ النيل». بدأ المخرج فيلمه بمشهد فانتازيّ يرسمُ صورةً دقيقة لإبراهيم أصلان، المبدع المُحلِّق.

يذهب عبد الرحيم، الشابُّ النازحُ من القرية إلى المدينة ليعمل فى هيئة البريد، بصنارته إلى شاطئ «بحر» النيل ليصطاد سمكةً، سوى إن صنارته الراميةَ بطولها فى عرض السماء لم تصطد إلا عصفورًا! فى ذلك المشهد الخاطف، تتكاثف خيوطُ الحبكة الدرامية جميعها، وتتلخص شخصيةُ أصلان الذى وهب عمره الأدبيّ لاصطياد العصافير، التى ترمز للحظات الإبداع وومضات الوهج السرديّ الفاتن، التى تقطر من قلمه.

يرسم المخرجُ لوحاتٍ نابضةً بالحياة فى حارة «فضل الله عثمان» بحيّ إمبابة الشعبي. النسوةُ فى جلابيبهن زاهية اللون يخُضن فى بِركة ضحلة من مياه الغسيل، تغمرُ سيقانهن رغاوى الصابون ، فيما يضحكن ويتسامرن ويتغامزن.

الأبوابُ المصدّعة القديمة تكسوها طبقات متشققة من الطلاءات البدائية، الجدرانُ الجيرية الكالحة، النوافذ المهشّمة التى تنفتح على غرف بسيطة تضمُّ بشرًا رقيقى الحال، لكنْ يعرفون كيف يدبرون حياتهم بقروشهم القليلة، وحبّهم الحياة بحلوها الشحيح ومرِّها البازخ.

الطفلةُ النحيلة التى يطير شعرها نشوةً وهى تمارس لعبتها الوحيدة، الممكنة فى ظلّ الفقر: تفريغ إطارات السيارات من الهواء. طريقةُ خلع الفقراء أضراسهم المريضة؛ بربطها بحبل مثبت فى الحائط، ثم انتزاعه بقوة لتوفير أجرة الطبيب.

وبعد المدّ الأصولى الذى ضرب به السادات اليساريين، نشهد مجموعة من الإسلاميين فى جلابيبهم وذقونهم الطولى يضربون كهلا مسًّنا بالجنازير والسياط لإجباره على أداء صلاة الفجر فى المسجد!

لمبةُ الكيروسين يعلو بلّورَ زجاجها الهبابُ الأسود، يشعلها الزوجُ «سى البهيّ» حين تنقطع الكهرباء، ويهرعُ بها إلى زوجته «نرجس» لينقذها من خوفها المَرضىّ من العتمة، وتحتفظ لذلك بعلبة كبريت فى جيبها، تضيعها دائمًا فيشتعل رعبها.

إلى أن تتجرأ يومًا، حين تنشب الفوبيا أسنانَها فى قلبها الوَجِل، وتطلب منه طلبًا فانتازيًّا، لكن شديد الدلالة: أن يضيء قبرها بلمبة صغيرة بسلك، ولو أسبوعًا، حتى تعتاد الظلام الأبدىّ. يستنكر فى البداية مطلبها الخيالي، فلما تلحّ، يبدأ فى مناقشة التفاصيل: من أين يأتى بالكهرباء؟ سوف تنفجر اللمبة!

هل يجوز سؤال الملكين فى نور الكهرباء؟ لكنها تحاججه وتجيب تساؤلاته، فيومئ فى الأخير مستسلمًا. ثم يقضى بقية عمره فى كتابة شكاوى إدارية لرؤسائه، أبناء أقدم بيروقراطية فى التاريخ، أولئك الذين أجبروه على التقاعد المبكر عن العمل فى مصلحة البريد.

تتكاثر الشكاوى وتأخذ فى التصاعد على الدَّرج الوظيفى والسُّلطويّ حتى تصل إلى رئيس الجمهورية، السادات، فيساومه بأنه كان يتعرف على خطابات الضباط الأحرار، ولم يبلغ عنهم، ومن ثم فهو شريكٌ فى الثورة.

آلاف الأوراق وشفّافات الكربون ملأها قلم الموظف التعس. ويتصاعد وعينا بمرور الزمن عبر عدسة نظارته التى يزيد سُمْكها عامًا بعد عام، حتى يكاد البصرُ أن يتلاشى، قبل أن يسقط ميّتًا وقد ارتدى «زونط» الخدمة القديم، وحبّات سِبحة الكهرمان تتناثر من بين أصابعه.

فيما الزوجة الصابرةُ تبيع ذهبها قطعةً إثر قطعة، ثم نحاس مطبخها وأوانيها، وفى الأخير، الكريات النحاسية التى تمثّل عرائس أعمدة سريرها العالي. تبيع ثلاثًا وتُبقى العروسة الرابعة تحفظها كما يحفظ المرءُ قطعةً من قلبه.

تراوغها فتضيع هنا وهناك، تبحث عنها فلا تجدها، ثم تفاجئها وتظهر لها بغتةً، فتُلمّعها بحنوٍّ وتدسّها فى مكان خفى كيلا تضيع! فتضيع! وتبدأ من جديد لعبةُ المراوغةُ والتخفي، بين المرأة وكُرَةِ النحاس العتيقة.

أما المشهد العمدة فى هذا الفيلم الجميل، فمشهد الختام. مشهد يجسّد ضياع مصر الراهنة من يد أبنائها. تصوّره الجدّةُ المسنة حين تركض فى الطرقات بجلبابها الممزّق وشعرها الأبيض المنكوش وهى تسأل المارةَ فى وجع: «محدّش عارف طريق البلد ياخدنى معاه؟» ونجيبُها بأسًى، نحن المصريين: محدش عارف، لأن البلد ضاعت واختفى الطريقُ إليها، أضاعها غزوان: غزوٌ خارجى خليجيّ أصوليّ قضى على جمالها القديم، وغزو داخلىّ أفرزته حكوماتٌ متعاقبة أخفقت فى أن تحبَّها وتحميَها.

ريفيو
اسم الفيلم: عصافير النيل
سيناريو: مجدى أحمد على
عن قصة: إبراهيم أصلان
حوار: إبراهيم أصلان
إخراج: مجدى أحمد على
بطولة: فتحى عبدالوهاب ــ عبير صبرى

fatma_naoot@hotmail.com

قد يعجبك أيضا‎

قد يعجبك أيضا

النشرة البريدية