x

القصيدة .. (شعر) : على منصور

الأحد 26-07-2020 05:09 | كتب: اخبار |
شعر .. القصيدة شعر .. القصيدة تصوير : آخرون

(1)

أنا القصيدةُ المنسيةُ على الرصيفْ.

لم يعدْ يحفلُ بى أحدْ.

لم يعد يُحبنى أحدْ.

مثل حصاةٍ ملقاةٍ جانباً، لا تحلمُ ولا تفكرْ،

غير أننى أشهدُ شروقَ الشمس،

وأشهَدُ الغروبْ.

وأعرفُ أسماءَ أطفالِ الشوارع.

أسماءهم الحقيقية

التى لم يعد يناديهم بها أحدْ.

(2)

أنا القصيدةُ الحزينة.

شقيقةُ العانسِ والأرملة.

سليلةُ نسوة الملاجئ النازحاتِ من إدلبْ

ولى أخوالٌ...

ذبحَهم الصّربيون منذ خمسةٍ وعشرينَ عاما فى سربينتشا

هل رأيتمْ من قبلُ قصيدةً زنجية

أنا ربّتنى قصيدةٌ زنجية

وأختى العانسُ شهدتْ مصرعَ أمى تحتَ عجلاتِ القطارْ،

فى مصر.

(3)

أنا القصيدة التى لا تحبُّ الكذب أبدا، وتكرهُ الخوفْ.

مع أن دمى كلّه خوفْ.

أكره دمى لأن دمى كله خوفْ.

منذ أن كنتُ فكرةً فى رحم أمى التى ما انفكتْ تفكرُ فى الخلاصْ،

وأنا أتغذى على الخوفْ.

ثم بعد ذلك أرضعتنى الخوف لعامين،

قبل أن تودعنى لدى قصيدةٍ زنجية

وتلقى بنفسها تحت عجلات القطار، حيث تدفق الدّمُ

وحيث تدفق الخوفْ.

(4)

أنا القصيدة الدّمعة.

مالحةٌ كماء البحرْ،

لذلك، أعشقُ المطَرَ، والوجناتْ.

وأحبُّ الذين يدبّون على الرصيفِ غير عابئين بى.

وأفرحُ جدا

حين تقتربُ الأصابعُ الطيبةُ

لتمسحنى بعفوية من على الخدينِ

قبل أن تبتسمَ الشفتانْ.

و تضحكُ الدنيا.

(5)

أنا القصيدةُ المُجْرمةْ.

أسهّدُ صاحبتى ليلتين ونصفَ الليلة

قبل أن يرقّ قلبى ويفتحُ لها مخزنَ الصّورِ الخرافية.

مرّةً ظللتُ أسبوعا كاملاً

أرقبُ عذاباتِ المخاضِ، كانت المسكينةُ لا تطيق أحداً

فى البيتِ، ولا فى العملْ.

وفى الليل، حين بدتْ كالمجنونة

انهَمرْتُ منْ أناملها كزخاتِ المطر حتى صاحتْ بنشوةٍ فى وجهى:

آه، يا بنتَ المجْرمة.!!

(6)

أنا القصيدة اللعوبْ.

أحيانا أكون بنتا، وأحيانا أكون ولدا

تعرفون سافو طبعا،

وطبعا تعرفون أبا نواسْ.

ولستُ أدرى لمَ تغارُ منى الأخرياتُ بناتُ الرومانتيكيةْ،

وأبناءُ السيريالزمْ.

ألا يكفيكمْ أننى المطاردةُ أبدا

أولم تروا أن الموتَ لا يكفُّ عن مطاردةِ

الحياة.

(7)

أنا القصيدة الورعة.

ورعةٌ أحيانا، وقلقةٌ أحيانا

الخيّام الخيّام !!

ورابعةُ رابعةْ !!

ثم إنّ موسى قال لربه: (ربّ أرنى أنظر إليكْ)،

وقالها إبراهيمُ من قبلُ: (رب أرنى كيف تحيى الموتى).

أنا القصيدةُ الورعَة، يا ربْ

أرنى الحقّ حقا، والإفكَ إفكا

وسامحنى يا ربْ.

(8)

أنا القصيدة الرديئة.

لا لونَ ولا طعمَ ولا رائحةْ.

لا أقولُ شيئا سوى أننى أسهبُ فى الثرثرة، قلْ لى بربكَ ما جدوى المترادفاتْ؟

ثم إننى فظة، وأقتحمُ المنتدياتْ

وهناك من هم دونى ومع ذلك اقتنصُوا منّى الجائزة!

ليكنْ فيكم بعضُ العدلْ،

أنا لم أحصل بعدُ على الجائزة..

ومع هذا، وبشهادة الكثيرين،

وعلى الأقلّ، لم أجعلْكم تكرهونَ الشّعرَ بعدْ.

(9)

أنا القصيدةُ الخالدة.

نور القمر، ضوءُ الشمس، وحباتُ المطرْ.

لا شأنَ لى بكُمْ

قبل أن تأتوا وبعد أن تذهبوا، أنا القصيدة الخالدةْ

بنتُ الطين،

أختُ الهواء،

وصديقة الشجرْ.

لا شأن لى بكم، بالحبّ والحربِ والألم والسؤالْ.

شأنىَ الخيالْ.

(10)

أنا القصيدةُ المتيّمةُ

بالعينين،

بالشفتين،

والخُصْلتينْ.

أعرفهم جيدا، ويعرفوننى متى مررتُ عليهم تحتَ الجسرْ.

فى الظهيرة، وقبل الغروبْ

حين يخفتُ الضجيجُ، قربَ محطّة الأتوبيسَاتْ.

هناكَ محلُّ الزّهورْ،

هناك القلبُ يدقّ بصوتٍ مسموعْ.

(11)

أنا القصيدة الجبانة.

فى الحقيقة هذا اسم لطيفٌ، والأسم الجديرةُ به هو (القصيدةُ الحقيرة).

ماذا أقولْ:

لقد رأيتُ الرويبضة رأى العينْ،

طاغوتاً هُنا

وكلبا هناكَ، فى عُنقهِ سلسلةٌ معدنيةٌ مشدودةْ.

لم أنبسْ ببنتِ شفة،

أبدًا.

ومثلى كثييييييييييرْ.

(12)

أنا القصيدة المغفّلة.

رغم جمالى، لم أختبئ قليلاً حتى أخرج على الناس بإطلالة الملكاتْ.

أتحْتُ نفسى مجانا، للعابرين.

الخبيرون فقط كانوا سيفغرون أفواههم حين يفطنون للجوهر، وحين يلمسُون السّرْ.

لكنِ العامة العابرون،

المعجبون بكل عابر، بكل مدّع جمالاً عابرا،

صفقوا كثيرا، وعبروا

أثاروا الغبار، وأشعلوا الضجيجْ،

وضيعوا الفرصة على الخبيرين فلا هم فطنوا للجوهر ولا هم لمسوا السرْ.

(13)

أنا القصيدة الطيبة.

بحُبٍّ أخذتُ بيد البنتِ نحو عملها الأولْ،

بُحتُ لها بكلّ الأسرار، وصدّقتُها حين قالتْ: اطمئنى، أنتِ فى يدٍ أمينة.

قلتُ لها احذفى هذهِ،

وضعى هذهِ،

قدمى هذهِ، وأخّرى هذهِ،

وخذى هذهِ، هكذا أفضل.

وجاء عملها الأولُ جميلاً، جميلاً، جميلاً حتى إنها ذبحتنى.

اليدُ الأمينةُ، قرباناً ذبحتنى.

(14)

أنا القصيدة الحمقاءْ.

كان يجب أن أتوقفَ حين صفقوا، لكننى تماديتُ.

ضيعتُ صدى التصفيق الحارْ.

عادت الأنفاسُ لإيقاعها المعتادِ، ثم بدأ المللُ يدبّ

لم أتعظ، ولم أتوقفْ

كنتُ أطمعُ فى تصفيقٍ آخر، فتماديتُ

لم يأت التصفيقْ،

وبدلا منه جاءت الهمهماتُ، ثم التأتآتُ، ثم الأفأفاتْ.

يا ليتنى ما تماديتُ.

(15)

أنا القصيدةُ الخجولةْ.

لو أننى أعرفُ ماذا يقولُ العصفورُ حين يغردْ،

لكنتُ قلتهُ لكْ.

لو أننى أعرفُ بماذا يهمسُ النسيمُ

وهو يراقصُ الأغصانْ،

لكنت همستُ به إليكْ.

لو أننى أعرف كيف يتنفسُ الصبحُ وهو يشقشقْ،

لكنتُ تنفستُ مثلهُ

قريباً منكْ.

قد يعجبك أيضا‎

قد يعجبك أيضا

النشرة البريدية