4 حكايات لـ«شهداء» الثورة فى المطرية

كتب: يمنى مختار, نيرة الشريف الإثنين 14-02-2011 18:17

فى الوقت الذى كانت فيه جميع الأنظار تتجه نحو «ميدان التحرير» متطلعة إلى اتجاه جميع المظاهرات من جميع أنحاء القاهرة تجاهه، كان ميدان المطرية يشهد أعنف المعارك بين المتظاهرين وقوات الأمن المركزى.

بمجرد أن تطأ قدماك ميدان المطرية اليوم، ستتعرف سريعًا على ملامح المعركة الطاحنة، التى دارت على تلك الأرض وراح ضحيتها العشرات من المتظاهرين العزل، والعشرات من عربات الأمن المركزى، التى احترقت فى وسط الميدان كانت شاهدة على الطريقة، التى عامل بها الأمن المتظاهرين.

قنابل مسيلة للدموع.. رصاص مطاطى.. رصاص حى، كل الأسلحة استخدمها الأمن لمنع وصول المتظاهرين والتحامهم بمتظاهرى عين شمس.

مذبحة حقيقية لم يراع فيها الأمن، أنه يتعامل مع مصريين، كما لم يراعوا حرمة المساجد واتخذوا من أعلى أحد المساجد مكانًا يصوبون منه الرصاص الحى فى اتجاه المتظاهرين، الذين خرجوا لتوهم من صلاة الجمعة، لا يفرقون بين شيخ وطفل يصوبون فى الصدور والقلوب لا لإحداث إصابات إنما للقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.

وفى محاولة للتهدئة، صعد أحد الشيوخ إلى مكان عال هاتفًا «لا إله إلا الله»، لعل البعض يرتدع إلا أن الإجابة عنها كانت مختصرة وسريعة «رصاصة تخترق فمه لتسكت صوته إلى الأبد».

قتلوا متظاهرين بالفعل، ولكنهم قتلوا معهم بعض الشباب الذى تصادف وجوده فى الميدان أو البعض الآخر الذى لم يتحمل أن يرى مصريين يضربون بالرصاص الحى، دون أن يدافع عنهم.

قتلوا أطفالاً لا يتجاوزون العاشرة والرابعة عشرة من عمرهم، وقتلوا معهم شبابًا ظلت أسرهم لسنوات طويلة يطأطئون رؤوسهم ويحنون ظهورهم أمام الأوضاع المتردية من فقر وجهل، أُسر كثيرة آثرت السلامة لأكثر من 30 عامًا خوفًا على أولادهم ولتربيتهم والحفاظ عليهم، ساروا بجوار الحائط وقبلوا بتهميشهم، فكان مقابل ذلك إهدار دماء أبنائهم فى الشوارع.. شبابًا كانوا أملاً لأسرهم، ومنهم عائلون لأسرهم بعد وفاة والدهم، شهدت لهم عائلاتهم وجيرانهموأصدقائهم بحسن الأخلاق والطباع.. لتجد نفسك تردد لن يختار الله للشهادة إلا من يستحقها، لن يكون من قبيل الصدفة أبدًا أن يكونوا جميعًا ملائكيين.

«المصرى اليوم» فى عزاء شهداء المطرية، الذي لن تقبله أسرهم إلا بعد محاسبة كل من كان مسؤولاً عن تلك المذبحة من رأس النظام إلى أصغر عسكرى.

والدة الشهيد عماد الصعيدى: حسنى مبارك هو اللى خلى شوية وحوش ينهشوا فينا ويهدروا دم ولادنا

فى شقة مكونة من حجرة وصالة صغيرة بحى المطرية، جلست ليلى إبراهيم على -48 عاما- ترتدى ملابس سوداء وتستمع لآيات القرآن الكريم التى تبثها إحدى القنوات الفضائية، من حين لآخر يطرق الباب أحد جيرانها أو معارفها ليواسيها فى مصابها، الذى تحتمله بإيمان وصبر شديدين، وهى موقنة بوعد ربها فى حق الشهداء، وترى أنها لا تحتاج لتلك المواساة فهى تدرك جيدا أى مكانة أصبح عليها فقيدها.

فقدت ليلى أكبر أبنائها فى مظاهرات ثورة 25 يناير، يوم «جمعة الغضب»، بالمظاهرات التى انطلقت من ميدان المطرية عقب صلاة الجمعة.

عندما تدخل شقة ليلى تشعر باطمئنان شديد يخيم على أرجاء منزلها الصغير.. هاهنا لا ينسج الحزن خيوطه.. ها هنا لا يوجد سوى الهدوء والاطمئنان الذى تراه يعلن عن نفسه بوضوح على وجه ليلى وأبنائها، إخوة الشهيد عماد الصعيدى، يرتدى شقيق عماد الأصغر جاكيت أخيه الذى استشهد، ويقول بفخر «أخويا استشهد وهو لابس الجاكيت ده» ويشير إلى ثقب استقرت فيه رصاصة قائلا: «وده مكان الرصاصة اللى دخلت قلبه وتسببت فى وفاته».

«عماد كان عنده 24 سنة، هو أكبر إخوته، عنده 3 إخوة آخرين، وائل 22 سنة، وتخرج فى الأكاديمية الدولية، ووليد 21 سنة وتخرج فى كلية السياحة والفنادق، وقاسم طالب فى ثالثة إعدادى، كان عماد هو الوحيد اللى بيشتغل وبيساعدنى فى مصروف البيت لأن إخوته لسة متخرجين، كانوا بيخلصوا ورق خدمتهم العسكرية، وبيدوروا على شغل.. كان نفسى أعمل قرض من البنك بضمان معاش والدهم، ويشتغلوا فيه الثلاثة، مع بعض: بس ملحقتش». هكذا بدأت والدة الشهيد عماد حديثها عن ابنها وتابعت: والده توفى من حوالى 8 سنين، ومن وقتها بقيت أنا لوحدى المسؤولة عنه هو وإخوته، عن تربيتهم وتأمينهم وتعليمهم، وهما لسه أطفال صغيرين، عماد أخذ شهادة دبلوم صنايع. تصمت قليلا وتستأنف حديثها: «ربيته هو وإخوته أيتام، ولما بدأ يقف على رجله حرمونى منه.. كان والده بيشتغل عامل فى كلية التربية، ولما توفى أخذوا ابنه يشتغل مكانه، أول ما بدأ يشتغل كان مرتبه 105 جنيه، وآخر زيادة وصلته لـ170 جنيه، وبناخد معاش أبوه حوالى 340 جنيه، يعنى دخل البيت كله مكانش بيوصل لـ500 جنيه، وأنا عندى فيروس سى، و«السكر» وبحتاج أدوية بيوصل سعرها لحوالى 150 جنيه كل شهر، كان عماد يا قلب أمه بينزل يشتغل شغل إضافى فى أى حاجة عشان يجيب قرش زيادة للبيت».

«يوم المظاهرات صحى صلى الفجر، وكنت قاعدة أبص عليه، لاقيته طول أوى، وهو ساجد لدرجة إنى اتخضيت عليه، وافتكرته أغمى عليه، ولما خلص سألته إنت طولت كده ليه يا عماد خضتنى عليك، قال بدعى ربنا يا ماما، بعد صلاة العصر قال لى إنه رايح يحضر فرح واحد صاحبه مع ناس زمايله، أنا كنت خايفة عليه ليكون رايح المظاهرات، قال لى يا ماما متقلقيش.. أول ما نزل مفاتش ربع ساعة، لقيت ناس بيندهوا علينا وبيقولوا إن عماد اتصاب فى المظاهرات قدام المسجد فى ميدان المطرية، كنت لوحدى فى البيت واخواته مكانوش موجودين، نزلت أجرى وأنا متخيلة إنه عايش.. وفاكرة إنهم ضربوه بالرصاص المطاطى، فضلنا نجرى من قسم لقسم إلى المستشفى ومش لاقيينه، لغاية ما عرفنا إنهم ضربوه برصاص حى، وإنه خلاص توفى ودخلوه فى ثلاجة المستشفى.. عماد أخذ رصاصتين واحدة فى قلبه والثانية فى جنبه».

تتوقف والدة عماد عن الكلام للحظات ثم بكت قائلة «حسبنا الله ونعم الوكيل فى اللى أذى شبابنا واللى أذى مصر، أنا عارفة إن اللى عمل فى ولادنا كده بتوع الداخلية، محدش غيرهم معاه سلاح، لاكان البلطجية هربوا من السجون ولا حاجة، عشان يرموا المسؤولية عليهم، لو ربنا حكَّمنى على ضابط أو أى حد من الداخلية هاكله بسنانى علشان ما رحموش ولادنا، ولادنا مكانش معاهم سلاح ولا كانوا هيأذوا حد، طب مش لاقى مخرج من أنك تضربه بالرصاص، اضربه فى أيده أو رجله، لكن تضربه فى قلبه وتنهى حياته ليه بس؟!».

يزداد بكاء والدة ويرتفع صوتها قائلة: «مفيش حاجة هترضينى وتبرد نارنا على ولادنا اللى راحوا سواء كان عماد أو غيره غير إن حبيب العادلى يتشنق قدام عينينا كلنا وفى ميدان عام.. عشان العيال معملوش حاجة، لا كانوا مجرمين ولا كانوا بيأذوا حد، ابنى الله يرحمه مكانش بيقدر يشوف راجل أو ست كبيرة ماشية قدامه فى الشارع وشايلة حاجة تقيلة، وكان بيجرى يشيلها عنه، لو شاف بنت من جيرانه حد بيعاكسها يقف يدافع عنها ويحميها، كان شايلنى وشايل إخواته، كان مظلوم ومبيقبضش غير ملاليم وساكت.. الـ100 جنيه اللى بيشقى بيهم طول الشهر، ميجوش تمن وجبتين غدا واستحمل.. احنا تعبنا وشقينا على ولادنا.. تاخدوهم غدر ليه حرام عليكم؟؟ أنا دعيت على حسنى مبارك هو اللى خلى شوية وحوش معندهمش قلب ينهشوا فينا ويجوعوا ولادنا ويهدروا دمهم فى الشوارع».

«كان نفسى أفرح بيه وأشيل ولاده، هو كان خاطب وكان بيجهز شقته خلاص قريب، كنت بقوله حاسة إنى هموت من غير ما أشيل ولادك يا ابنى».

«أنا بقيت مرعوبة على بقية إخوته فى الأيام اللى بعدها، لدرجة أنهم لما قالوا كل الشباب ينزل عشان هيعملوا لجان شعبية تحمى الشارع والبيوت من البلطجية كنت هنزل أقعد مع ولادى فى الشارع عشان أحميهم.. عماد وإخوته اللى استشهدوا صحوا ناس كتير عشان يعملوا ثورة وياخدواحق بلدهم، وربنا ينتقم منا اللى ظلموهم وغدروا بيهم، وحقهم مش هيروح

والدة الشهيد رضا: قلبى أكلنى عليه بعد ضرب النار.. ولقيته فى المستشفى واخد 5 رصاصات

«أنا بس كان نفسى أفهم ابنى اللى مكملش 14 سنة من عمره، ده ذنبه إيه؟ ممكن يكون هدد اللى قتلوه أو هدد غيرهم بإيه؟» هكذا بدأت هناء جمعة السيد- 39 عاماً- والدة الشهيد إبراهيم رضا محمد، الذى كان سيكمل عامه الرابع عشر هذا العام، كان اسم الشهيد إبراهيم يتردد كثيراً على ألسنة أهالى المطرية، بسبب صغر سنه ولكونه تلقى 5 رصاصات أثناء المظاهرة، فلم يترك فى جسده مكان سليم، وتطوع شقيق أحد الشهداء بتوصيلنا إلى منزل الشهيد الصغير، شقة بسيطة وصغيرة الحجم كانت تجمع إبراهيم وأبويه وأخاه محمود، الذى يكبره بنحو عامين، ومحمد البالغ من العمر 20 عاماً. كان الجميع قانعاً تماماً ولا يعترض على شىء رغم ضيق ذات اليد وقلة دخل البيت. تقول والدة الشهيد: «أنا وأبوه مش متعلمين ولا نعرف لا مظاهرات ولا سياسة ولا غيره، الولد كان عيل صغير زى بقية العيال طول النهار فى الشارع، لما لقى زحمة ودوشة المظاهرات راح يتفرج.. والده عنده إعاقة فى رجله كان بيشتغل ميكانيكى، ومع تقدم سنه وزيادة التعب عليه، قرر يجيب (توك توك) يشتغل عليه، ويبقى مش شغال عند حد، مكسبه مبيبقاش كبير لكن بتكمل بالستر».

وتقول الأم عن يوم المظاهرات: «كان يوم الجمعة، وكنت فاكره إن إبراهيم مع أخوه بيركنوا (توك توك) والدهم، لقيت أخوه جه من غيره، سألته: هو فين؟ قالى فى الميدان. قلبى أكلنى عليه ونزلت أجرى أدور عليه فى الميدان لقيت الميدان عبارة عن كتلة نار بعد الاشتباكات اللى حصلت فيه وحرق عربيات الأمن المركزى، وكان الشهداء والمصابين فى كل حتة، جريت ناحية قسم المطرية لقيته محروق، مبقيتش شايفه قدامى، كنت باجرى فى الشارع وبنده على ابنى بصوت عالى يمكن يبقى فى حتة قريبة ويسمعنى، ماكانش موجود فى أى مكان، رحت أدور عليه فى المستشفى بين المصابين لاقيت الدكاترة بيحاولوا ينقذوه، قالوا لى إنه أخد 5 طلقات فى أنحاء متفرقة من جسمه، وإنهم علقوا له حوالى 14 كيس دم، والحالة استقرت، فضلنا قاعدين شوية وشايفينه قدامنا على السرير، بعدها الدكاترة قالوا مش عارفين نعمل حاجة ادعوا له بالرحمة، رجعنا بيه البيت الساعة 3 الفجر وهو منتهى».

قامت والدة إبراهيم تجرى لتحضر جاكيت كان ابنها يعتاد ارتداءه وقالت فى هدوء: «ده مقاس ابنى.. شفتوا صغير إزاى؟ طفل.. يمكن لو شفتوه متصدقوش إنه عنده 14 سنة كمان.. كان فى تانية إعدادى.. إيه الخطر اللى ممكن يسببه لهم عيل زى ده.. وإيه اللى يفهمه من الدنيا أصلاً عشان يتعاقب بسببه؟».

«أنا بحاول أبان هادية عشان أبوه وإخواته، لكن أنا حاسه بنار جوايا، بحاول أصبر نفسى بأنه أكيد عند ربه شهيد.. أبوه كان متعلق بيه أوى لأنه أصغر ولاده، أنا خايفة الصدمة تعمل فيه حاجة، هو لا عارف يشتغل، ولا عارف يتكلم مع حد، كان بيقولى الولد على طول فى بالى طول ما أنا بشتغل أو قاعد شايفه قدامى، جه عليه وقت من ضيقه مبقاش عارف هو بيقول إيه لدرجة إنه مسك أخوه الأكبر منه وقاله إنت السبب! لما شفته فى المظاهرات ليه مخلتهوش يرجع بالعافية؟ الولد يا حبيبى قعد يعيط، قلبه وجعه على أخوه ومش حمل إنه يبقى مسؤول عن اللى حصل، لكن قلة الحيلة والحسرة مخليانا مش عارفين بنعمل إيه؟».

».